حنايا قلم (١٧) ثنايا الثانوي لو كلمتنا ذات أخبار…!

تسارعت السنين، وتدفقت ساعاتها حتى تمازجت وتراصت، فلم يشعر إلا وهو على عتَبات الثانوية، ويفكر في الحلم الجامعي، كما قد تسارعت الآن وترعرعت حتى توغلت في الأربعين، ففكر في التقييد والإثبات،،،!
فلربما طارت المعلومات، واعترى الذاكرة ما يعتري أعالي الجدران، وظهور الكتب، فيتصدع المسار ، وتتقهقر الأفكار، وتتقاذفها أعاصير الحياة ومكدراتها،،،!
كانت (الثانوية) بمبناها وكيانها الرائع، جاذبة الهوى، فاتنة المحتوى، ويخالطك الفخار، أن يقال فلان في الثانوي ،،،،، رأيت السعة المكانية ولامسنا الإبداع التربوي،،، وَمِمَّا يشد فيها متحف فني للتحنيط، تجذب فيه مناظر الثعابين وغرائبها، فكان في الصباح، من حين لآخر، يصبح للنظر إليها، وربما رافقه بعض الزملاء ،،،!
وتوجد (مكتبة رائعة)، ملونة المعارف، ونزورها شبه أسبوعي، ويقطنها على الدوام الأستاذ عبد الكريم سمور، وفي النشاط الفني الأسبوعي تنعقد هناك لقاء (جماعة المكتبة)،،،،،
ومن الأصدقاء : أكثر أبناء الربوع كالأخ محمد حسن يوسف ومحمد الزين الهاشمي ، والأخوين هادي وإبراهيم الحسن وأحمد محاضي عسيري، وأحمد أبو طالب وراجح عبيد، وعوض عبد الواحد، وخالد المغيدي،، وجلّهم الآن في الحقل التربوي مشرفون ومدراء ومعلمون،،، وفقهم الله وسددهم،،،! وأعتذر أن كنت نسيت بعضهم،،،،،
وعموما المبنى كان مكتمل الخدمات بخلاف أيام الابتدائي، والمعهد العلمي كان كالتحفة الفنية بناء وشكلا وتنظيما …!
فلله أيام تقضّت حميدةً// بقربكَ واللذات في المنزل الرحبِ

ويشارك في المبنى معهد المعلمين، في الدور الثالث، لم يكن عددهم كبيرا، ولكن المزعج من جهة المزاحمة على الملعب الرياضي، فالتوجه أكثر لكرة القدم، والطائرة وأخواتها لا تكاد تُقصد، مما حدا بالبعض أن لا يحضر اللباس الرياضي، وسبّب مشكلة مع المدير، حيث اللبس كان إلزاميا،،!
وأذكر أحدهم لم يكن يمارس الكرة، ويأتي بها شكلاً ودفعا للحرج من مدرس الرياضة البدنية…!
ووُبخوا من المدير الأستاذ محمد عواض رحمه الله،،،، فما كان من أحدهم إلا لبسها بلا ممارسة، وكان المشهد لطيفا للبعض….!
والطريف هنا أن ذهابهم إلى المدرسة على الأقدام، فالسيارات قليلة، ولا يملكها إلا قلة، فكنا نمشي من بيت الوالد في حي الجامع الملتصق بالربوع، فننطلق بحمدالله، بلا تأخر ولا تعثر،،،!
والنوم مبكرا في الغالب، والمغريات محدودة، ولا يوجد إلا التلفاز الرسمي، ومجموعة الألعاب والتسالي التقليدية….
وأمور المسلمين شبه مستقرة، إلا ماكان من حالة الضعف العام والقضية الفلسطينية والتي كانت حاضرة في وجداننا على الدوام،،،،،
وكما قيل :
لندائهِ في كل قلبٍ.. مؤمنٍ وخزُ الرماحِ
أين الذين يقودهم.. للبذل ذبحي واجتياحي؟!
ونسمع حينها بحرب لبنان الأهلية، والصراع العراقي الإيراني، ولكننا مخطوفون بقلة التفكير، والاهتمام بالجدول الطبيعي للشباب والفتيان…!
والصحوة الإسلامية ماضية في انتشارها ومد جسورها في كل مكان…!
ويذكر أن أخاه الأكبر عبدالله، ويدرس في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، أهداه (مصحف الحرم) لسنة ١٤٠٧ للهجرة ، وانتفع به انتفاعا عظيما، غيّر من حياته، ودفع به إلى الجد، وعرفه بالتلاوة وروادها كالشيخ علي جابر، والمحيسني والسديس ومحمد يوسف والحذيفي، أو بعض الآفاقيين كالشيخ المنشاوي وعبد الباسط والحصري وغيرهم، رحمهم الله تعالى،،،،!
وتلك السنوات تعاظمت الصحوة الإسلامية وكانت تشق الأنحاء وتتجه صوب كل قطاع، وكانت في أبها أكثر انتشارا منها في محايل وقراها، وفي الرياض وجدة أعظم وأعظم،،،،!
ويذكر اختراق الدعاة للمجال الرياضي، ودخول عدد منهم الأندية كالشيخ عايض القرني حفظه الله، والذي يعتبر تفعيلا للبرامج الثقافية والاجتماعية خلافا لمن يقصرها من المنغلقين على الرياضي فقط،،،! مما قلت ثقافة الشاب، وتراجع وعيه، وأصبح مرتعا للأفكار المنحرفة والشبهات العصرية، ومحدودية التدين،،،!
ولذلك أقول لإخواني العاملين في المجالات الرياضية فعّلوا البرامج الأخرى، وصونوا أبناءنا من الانحراف ومن الأفكار الخارجية والليبرالية والإلحادية، ولتكن الأندية برامج متنوعة وليست ملعب كرة فحسب……!
يخرج الشاب منها واعيا ومصليا وخَلوقا، ومحسنا..!
ويذكر زيارة الشيخ عايض لنادي الشهيد وأسمته تسجيلات الفرقان الإسلامية آنذاك ( نداء ساخن من نادي الشهيد )
وكذلك محاضرة أخرى للشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله، وفي الملعب المزروع والأجواء خلابة ، فاجتمعت الروعتان حلاوة الكلام مع خضرة المكان والجو، وقضيناها ليالي ممتعة، وجزا الله أهلها خيرا.
ولنعلم أن التطرّف ينمو في البيئات الجاهلة والمتخلفة، ويغيب في مجالس العلماء والدعاة بفضل علمهم وحسن توجيههم للشباب والناشئة(( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب )) سورة الزمر .
ولضخامة الثانوية في حس الشباب وكثرة الأعداد واتساع المرح، تراجع المستوى الدراسي وبات التعويل على التلاقي الشبابي الماتع، إلا ماكان من نشاط في الإذاعة المدرسية ومكتبة المدرسة الزاهية وحصص المطالعة المغرية بالحرية والانشراح، وبفضل الله ثم التوجيه الحسن والخطاب الصحوي تعدلت البوصلة، وتعرف الشاب على خط التدين،وكانت بدايات الهداية الخصيبة، وآب للجد الدراسي أوبة أخرى،.،،،
ويذكر قبل سنوات تمكن من دخول الثانوية الأولى، وكان هجرها مدة طويلة منذ فارقوها سنة ١٤٠٩ للهجرة، ثم عاد إليها متحدثا سنة ١٤٣٤ في كلمة توجيهية للطلاب، وبدعوة من إدارة المدرسة مشكورة زمن الأستاذ محمد أبو سلجم، فهاج الحنين، وعزفت الأطلال وتحركت المشاعر، وخالطه شوق تلمسها والتطواف في دروبها،حتى كاد يستنطق الجدران، وإن كانت صلدة جامدة
فاستعجمت دارُ نُعمْ ما تكلمنا// والدار لو كلمتنا ذاتُ أخبارِ
وكانت لحظة وجدانية لايزال يعيش دفأها إلى هذه الساعة، ولم يحتمل إلا أن تجيش خواطره الشعرية بشيء، وإن لم يكن على المقاس الأدبي الرصين…!
،،، وحياهم بقصيدة في وقتها….:
ظهرت مدارسُ في البلاد ولم تكن .. إلا شعاعاً قاهرَ الظلماتِ
لكنّ مدرستي الجميلةَ قد سمَت// بروائع التعليم والنظراتِ
فيها بدَونا للشباب ولم نكُن// إلا غصوناً قد زهَت بسماتِ
….الخ
وأشكر زملائي وطلابي من عاينتهم فيها على طيب الحفاوة والإكرام….
ولا تزال المدرسة حافلة بعطائها وبذلها، فهي كالمعين الذي لا ينضب….
والله الموفق والمعين…
١٤٣٨/٢/١

كلمات دليلية
المقالة السابقة

....

المقالة التالية

....

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *